رضي الدين الأستراباذي
118
شرح الرضي على الكافية
في كلامهم كالحكاية عن تلك الأصوات ، وثانيها : أصوات صادرة عن فم الإنسان غير موضوعة وضعا ، بل دالة طبعا على معان في أنفسهم ، كأف ، وتف ، فان المتكره لشئ يخرج من صدره صوتا شبيها بلفظ ( أف ) ومن يبزق على شئ مستكره يصدر منه صوت شبيه بلفظ ( تف ) ، وكذلك ( آه ) للمتوجع أو المتعجب ، فهذه وشبهها أصوات صادرة منهم طبعا ، كأح ، لذي السعال ، إلا أنهم لما ضمنوها كلامهم لاحتياجهم إليها ، نسقوها نسق كلامهم وحركوها بتحريكه ، وجعلوها لغات مختلفة ، كما مر من لغات : أف ، وأوه ، وثالثها : أصوات صوت بها للحيوانات عند طلب شئ منها : إما المجئ كألفاظ الدعاء ، نحو : جوت ، وقوس ، ونحوهما ، وإما الذهاب ، كهلا ، وهج ، ونحوهما ، وإما أمر آخر ، كسأ ، للشراب ، وهدع للتسكين ، 1 وهذه الألفاظ ليست مما تخاطب به هذه الحيوانات العجم حتى يقال : إنها أوامر أو نواه ، كما ذهب إليه بعضهم ، لأنها لا تصلح لكونها مخاطبة لعدم فهمها للكلام ، كما قال الله تعالى : ( كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ) 2 ، بل كان أصلها أن الشخص كان يقصد انقياد بعض الحيوانات لشئ من هذه الأفعال ، يصوت لها إما بصوت غير مركب من الحروف ، كالصفير للدابة عند إيرادها الماء ، وغير ذلك ، وإما بصوت معين مركب من حروف معينة ، لا معنى تحته ، ثم يحرضه ، مقارنا لذلك التصويت ، على ذلك الأمر إما بضربه وتأديبه ، وإما بإيناسه وإطعامه ، فكان الحيوان يمتثل المراد منه ، إما رهبة من الضرب ، أو رغبة في ذلك البر ، وكان يتكرر مقارنة ذلك التصويت لذلك الضرب أو البر ، إلى أن يكتفي الطالب بذلك الصوت عن الضرب أو البر ، لأنه كان يتصور الحيوان من ذلك الصوت ما يصحبه من الضرب أو ضده ، فيمتثل عقيب الصوت عادة
--> ( 1 ) سيأتي تفسير هذه الكلمات ، ( 2 ) الآية 171 من سورة البقرة ،